في سوريا، لم تكن المشكلة في غياب النصوص، بل في وجودها دون أن يكون لها معنى.
كل شيء كان مكتوباً من الحقوق، والواجبات، وحتى العدالة.
لكن بين ما كان مكتوباً وما عشناه، هناك مسافة كافية ليصبح القانون تفصيلاً والسلطة هي القاعدة.
عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، قبل أن نبدأ، حاول أن تقرأ هذا النص كما لو أنك ترى المشهد للمرة الأولى، لا كما اعتدت أن تراه.
تذكر يومك الأول في المدرسة. كنا صغاراً، بملابس جديدة وشيء من التوتر. تدخل المعلمة بابتسامة هادئة، وتبدأ بشرح القواعد ما المسموح، ما الممنوع، وما العقوبة. في تلك اللحظة، لم نكن نفكر كثيراً، لكننا كنا نفهم أن هذه القواعد هي ما سيجعل الصف مكاناً قابلاً للعيش، لا مجرد غرفة مليئة بالفوضى.
الآن، تخيل نفس الصف لكن مع فارق بسيط القواعد مكتوبة على اللوح، لكنها لا تُطبق.
طالب يُعاقب لأنه تكلم دون إذن، وآخر يفعل الشيء نفسه ولا يحدث له شيء.
طالب يُطلب منه احترام النظام، بينما يُسمح لغيره بكسره متى شاء.
إذا بدا لك هذا المشهد مألوفاً، فذلك لأنه يشبه، إلى حد كبير، ما عاشه السوريون والسوريات لعقود.
في سوريا، لم تكن المشكلة يوماً في غياب النصوص. الدساتير وُجدت، والمواد كُتبت، والمبادئ صيغت بلغة تبدو، على الورق، قريبة من أي دولة حديثة تضمنت المساواة، حقوق، مؤسسات. لكن الفجوة لم تكن بين النص والواقع فقط، بل بين فكرة نفسها وممارستها.
لم يكن السؤال ماذا يقول الدستور؟
بل من يملك حق تجاهله؟
هنا يفقد الدستور معناه. لا لأنه سيئ بالضرورة، بل لأنه يتحول من مرجعية ملزمة إلى واجهة شكلية. مثل لافتة على باب صف مكتوب عليها النظام أولاً، بينما الفوضى هي التي تدير الحصة.
هذا ما يجعل الحديث عن الدستور السوري القادم مسألة تتجاوز الصياغة القانونية لأن التحدي الحقيقي ليس في كتابة نص جميل، بل في ضمان أن لا يكون مصيره كمصير ما سبقه من كلمات محفوظة، وحياة تدار خارجها.
لنأخذ مثالاً بسيطاً المساواة أمام القانون.
كمبدأ، يبدو واضحاً ولا خلاف عليه. لكن في الواقع، يصبح هذا المبدأ بلا قيمة إذا كان تطبيقه انتقائياً. إذا كان البعض يُحاسب، والبعض الآخر محصن، فإن المشكلة لا تعود في القاعدة، بل في بنية السلطة التي تقرر متى تُستخدم ومتى تُعلق.
وهنا تظهر أهمية الدستور كأداة لتقييد السلطة، لا لتجميلها.
الدستور الحقيقي لا يكتفي بتحديد شكل الدولة، بل يضع حدوداً واضحة لها بمن يملك القرار، كيف يُحاسب، وما الذي يمنع تحول السلطة إلى امتياز دائم. هو ليس دليلاً تنظيمياً للدولة فقط، بل ضمانة للأفراد بأن حقوقهم لا تعتمد على مزاج الحاكم أو توازن القوى.
في السياق السوري، هذا يعني شيئاً أبعد وهو الاعتراف بأن ما حدث لم يكن خللاً عابراً، بل نتيجة غياب حقيقي لآليات المساءلة. ويعني أن أي دستور قادم لا يعالج هذه المشكلة، سيبقى إعادة إنتاج لها، ولو بلغة مختلفة.
لكن الدستور، مهما كان قوياً، لا يعيش وحده. كما في الصف، لا تكفي القواعد إن لم يؤمن بها من يطبقها ومن يخضع لها. الفرق أن المعلم هنا ليس فرداً، بل منظومة كاملة من مؤسسات، قضاء، مجتمع.
لذلك، فإن النقاش حول الدستور يجب أن يخرج من الدوائر المغلقة. لا يمكن أن يكون شأناً نخبوياً يُصاغ خلف الأبواب، ثم يُقدم للناس كأمر واقع. لأن الدستور، في النهاية، ليس ملكاً لمن يكتبه، بل لمن يعيش في ظله.
ربما لا نحتاج في سوريا إلى دستور مثالي بقدر ما نحتاج إلى دستور صادق يعترف بالتنوع بدل إنكاره، يضمن الحقوق بدل تأجيلها، ويقيد السلطة بدل أن يبررها.
الدستور الذي نحتاجه ليس ذلك الذي يخبرنا كيف يجب أن تكون الدولة فقط، بل الذي يمنعها من أن تكون كما كانت.
وفي العودة إلى تشبيه الصف المشكلة لم تكن يوماً في أننا لا نعرف القواعد، بل في أننا جربنا العيش في صف تُكتب فيه القواعد على اللوح ويُمحى أثرها مع أول اختبار حقيقي.
ولهذا، فإن السؤال في سوريا اليوم ليس هل نحتاج دستوراً جديداً؟
بل هل نحن مستعدون أخيراً للعيش في ظل دستور لا يمكن لأحد أن يكون فوقه؟
لأن الفرق بين دولة تملك دستوراً، ودولة يحكمها الدستور، هو الفرق بين نص يُكتب وعدالة تُعاش.
حسن عطار
هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولاتعبر عن رأي وحدة تمكين المجتمع المدني